أبي منصور الماتريدي
51
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
كما يحتمل « 1 » ذلك في الدنيا التقديم والتأخير بالشفاعة والفداء ويذكر عجزه في إنزال العذاب عليهم في قوله : قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلا نَفْعاً . وقوله - عزّ وجل - : أَ ثُمَّ إِذا ما وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ آلْآنَ : قيل : أي العذاب إذا نزل بكم أمنتم به الآن ؟ ! يخبر عنه أنهم إذا نزل بهم العذاب يؤمنون . ثم يحتمل قوله : آمَنْتُمْ بِهِ أي : بالله وبرسوله ؛ كقوله : فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنا بِما كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ [ غافر : 84 ] ، ثم أخبر أن إيمانهم لا ينفعهم عند معاينتهم العذاب ؛ وهو كقوله : فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا [ غافر : 85 ] ، وقوله : لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ [ الأنعام : 185 ] . ويحتمل قوله : آمَنْتُمْ بِهِ آلْآنَ أي : بالعذاب ؛ لأنهم يكذبون رسول الله صلى اللّه عليه وسلّم فيما يوعدهم العذاب ، وهم يستعجلون به استهزاء وتكذيبا ، فإذا نزل بهم آمنوا أي صدقوا بذلك العذاب ، يقول : آمَنْتُمْ بِهِ آلْآنَ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ استهزاء وتكذيبا أنه غير نازل [ بكم ذلك ] « 2 » ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا قيل « 3 » : أشركوا في ألوهيته وربوبيته وعبادته غيره . ذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ لأنهم يخلدون فيه ، يقال ذلك بعد ما أدخلوا النار . هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ أي : لا تجزون إلا بما كنتم كسبتم في الدنيا . وقوله - عزّ وجل - : وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أي : يستخبرونك . أَ حَقٌّ هُوَ يحتمل هذا وجوها . يحتمل قوله : أَ حَقٌّ هُوَ العذاب الذي كان يوعدهم أنه ينزل بهم ، على ما قاله عامة أهل التأويل . ثم قال : قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ أي : قل : نعم وربي إنه لحق إنه نازل بكم . وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ أي : بفائتين عنه ولا سابقين له . ويحتمل قوله : أَ حَقٌّ هُوَ ما يدعوهم إليه من التوحيد ؛ كقولهم لإبراهيم : أَ جِئْتَنا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ . قالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ . . . الآية [ الأنبياء : 55 ، 56 ] ؛ فعلى ذلك قولهم : أَ حَقٌّ هُوَ ثم ، أخبر أنه لحق بقوله : قُلْ إِي
--> ( 1 ) في أ : لا يحتمل . ( 2 ) في ب : ذلك بكم . ( 3 ) ذكره البغوي في تفسيره ( 2 / 357 ) .